السبت، 26 مايو، 2012

الاختيار الصعب - الجزء الاول

اقدر اقول وبكل ثقة ان الشعور بالاحباط و الفشل و الحزن والالم جوه ناس كتير النهاردة، جوة تقريبا ٧ مليون مصري ومصرية اللي اختاروا حمدين وابوالفتوح، انا دعمت ابو الفتوح حتي لا اعيش هذه اللحظة! لحظة الاختيار بين اختياران كلاهم سئ جدا، ماكنش صعب انك تعرف اننا كنا ممكن نوصل للي احنا فيه من ماساة من قبل الانتخابات، ما احنا عارفين انه لازم يبقي في اتنين فى الاعادة من ال١٣ الاولنين! كان كل المطلوب انك تحط الاحتمالات جنب بعض علشان تعرف ان الاختيار مفروض كان يبقي واضح جدا من قبل المرحلة الاولي،

حاجة تخنق ان الشعب المصري باغلبيته اختار فى ابوالفتوح وحمدين البعد عن الدولة الدينية المسيطر عليها من جماعة معينة واختار ايضا البعد عن المرشح المرتبط بالدولة العسكرية والفلول ومع ذلك عليه الان الاختيار بينهم.

والان ٧ مليون مصري ومصرية في هذا الموقف الذي لا يحسد عليه احد، الاختيار بين المروفضين!

الاختيار الاول: د. محمد مرسي - مرشح جماعة الاخوان المسلمين و لا اقول مرشح حزب الحرية والعدالة، وهو ده اصل المشكلة في هذا الاختيار، ان سطوة الجماعة طغت بشكل فج علي حزب الحرية والعدالة، بحيث اصبح من الصعب التمييز بينهم، فالبيانات السياسية كثيرا ما تصدر رسميا من الجماعة، و المرشد يدلي بدلوه في امور سياسية والحديث عن البيعة له كاساس للثقة والانتماء للجماعة يبدو انه شرطا للانتماء للحزب، الذي يفترض انه حزب سياسي ينتمي له مصريون ومصريات من جميع الاطياف، فشل الجماعة فى عزل الحزب عن الجماعة، ترك شعورا قويا لدي اغلبية من الشعب انهم لا ينتمون لهذا الحزب حتي ولو صوتوا له فى انتخابات مجلس الشعب، لم يستطع حزب الحرية والعدالة في فرصة تاريخية لن تعود، فى ان يتوسع في بناء قواعده لتضم شباب الثورة و ان ينمي الانتماء السياسي لافكاره لدي طبقات كثيرة من المصريين، يرغبون في المشاركة السياسية بعد الثورة، لم يستغل الفراغ السياسي وحماس الثورة فى جذبهم الي الانتماء الي الحرية والعدالة، وظل الحزب اسير جماعة الاخوان المسلمين، وعجز عن خلع عباءة الجماعة الدينية وتحويل ذلك لمنهج سياسي حزبي يمكن ان تنتمي اليه دون ان تنتمي الي الجماعة.
ولذلك جاء مشروع النهضة غريبا ومصطنعا، لانه ليس نتاج عمل حزبي وطني، ولكنه نتاج جماعة لها رؤية دينية تقدم مشروع سياسي من خلال " الذراع السياسي" للجماعة، هذا المصطلح فى حد ذاته، الذي لا يجد اعضاء الجماعة غضاضة في استخدامه، يعكس تماما الوضع المختلط الذي نراه الان، فالذراع لابد لان يكون له " عقل" في مكان ما، وادرك المصريون تماما ان هذا العقل هو " مكتب الارشاد" حتي استخدام شعار " نحمل الخير لمصر" يعكس هذا الفكر المنغلق سياسيا واجتماعيا، بما يعني انه لا الجماعة ولا حزب الحرية والعدالة يرغب في هذا التوجه المنفتح علي توسيع قواعده، انه يصر علي ان تعطيه صوتك لكي ينفذ رؤيته كما هي بدون تعديل او تغيير، فالانفتاح علي المجتمع سيتطلب نوعا من التغيير، ومطالبة بان يختار الحزب كوادره وقيادته بناء علي معايير الكفاءة والاختيار وكلها افكار مرفوضة، لانها ستهدد استقرار الجماعة ومبادئها المبنية علي السمع والطاعة بالدرجة الاولى.
يؤمن قادة الاخوان ان رؤيتهم هي الافضل، وان مشروع النهضة هو المستقبل، وان في استطاعتهم ان "يحملوا الخير لمصر" لو اخذوا فرصتهم فى التنفيذ والتطبيق، خطورة هذا الطرح انه يعيد الي الذاكرة فكر الحزب الوطني انه يعرف فقط ويملك جميع الحلول، وهو فكر سلطوي، ديكتاتوري بطبيعته، يضاف الي ذلك ايضا بالطبع البعد الديني المتشدد، الذي ربما ياخد القسط الاكبر من تخوف المصريين من الجماعة، دون سند حقيقي ملموس الي الان، فالتصريحات المتطرفة من هنا او هناك بلا شك تاخذ اكثر من حجمها اعلاميا، وتسبب نوع من الفزع الغير مبرر، هذا لا يعني بالطبع ان الجماعة ليس لديها " برنامج ديني" ترغب في تطبيقه ايضا، والتخوف منه واقع يجب مواجهته، ولكنه لا يمثل لي اخطر مكونات اختيار د. مرسي للرئاسة، لاسباب ساوضحها لاحقا، وتكمن خطورة خلط الجماعة بالحزب، ان هذا "البرنامج الديني" هو منتج اضافي، لا نعلم مكوناته بدقة ولا طبيعته او ابعاده، لانه ليس جزء من البرنامج السياسي، وسيسهل تمريره وتنفيذه من خلال "مكتب الارشاد" دون محاسبة او شفافية.
العامل الاخر هو عامل الثقة، الاداء السياسي السئ للاخوان، ومواقفهم المتذببة من الثورة، والترشح للرئاسة واختيار الجمعية التاسيسية، والحديث عن صفقات سياسية ومهزلة سحب الثقة من الحكومة كلها مواقف ساعدت علي انهيار الثقة تماما بينهم وبين فئات كثيرة من المصريين الذين توقعوا اداء افضل وصدموا بانانية الاخوان السياسية، وتنامي شعور قوي، بان الجماعة اهم من مصر، وان الجماعة تتخذ قرارتها وهي تضع في حسابتها الجماعة اولا قبل مصلحة الوطن.

كل ما سبق لم يكن ليكون له تاثير حقيقي علي الناخبين لو لم يكن الدستور جزء من المعادلة، للاسف ان طبيعة المرحلة اقتضت ايضا ان يكون الدستور المصري الجديد و هو الميثاق الاهم فى كل ما نراه ونعيشه، في وضع سائل وغير محدد، وكان يمكن ان يظل اداء الاخوان السياسي فقط في اطار تقييم فصيل سياسي علي اداءه ومحاسبته علي ذلك، ولكن عدم وضع الدستور الذي يحكم اداء السلطات وصلاحيتها ويحدد توجهات الدولة المصرية فى العقود القادمة، ليزيد الوضع تعقيدا، ويصعب عملية اختيار رئيس الجمهورية.

اذا ما الذي ستحصل عليه عند اختيار مرسي رئيسا لمصر فى ١٦ يونية القادم؟
ستحصل علي رئيس مدني لا ينتمي الي السلطة العسكرية التي حكمت مصر خلال ال٦٠ سنة الماضية، لديه حزب كرتوني لم ينمي قواعده بالشكل الكافي، يتبع مكتب الارشاد فى توجهاته وقرارته، لديه مشروع بتوجهات اقتصادية منفتحة يؤمن هو انه يحمل مصلحة مصر فى السنوات القادمة، مدي قدرته علي تنفيذه غير واضحة، سيمتلك الاخوان اغلبية برلمانية وغالبا تشكيل الحكومة والرئاسة، وسيضعهم فى موقع المسؤولية كاملة امام الشعب لتنفيذ مطالبه، امتلاك هذه السلطات لايعني بالضرورة السيطرة علي الدستور ايضا، اولا لان القوي السياسية الاخري ستتوحد علي ماتبقي لها وهو معركة الدستور، ثانيا لان محاولات السيطرة علي الدستور مع سيطرة الاخوان علي باقي مكونات العمل السياسي، ستواجه رفضا شعبيا بقوة، وربما يهدء الاخوان في رغبتهم للسيطرة علي الدستور لعدم الاصطدام مجددا بالقوة العسكرية.

اختيار مرسي بدون شك يخلق وضعا جديدا تماما لمصر، ويعكس بالطبع ان الثورة نجحت في تغيير شامل وجذري في بدء هيكلة الدولة المصرية للسنوات القادمة وسنري مقدرة الاخوان في التعامل مع المجلس العسكري والجيش والشرطة وامن الدولة والمخابرات وهي اجهزة حساسة للغاية ولم تعتد التغيير، ولكن لم يعد لديها بديل سوي الاستجابة لخيار الشعب وتغيير مفاهيم عملها لتتؤام مع الوضع الجديد، واري ان هذا التغيير او الصدام! سيصب في النهاية لمصلحة مصر بشكل او باخر.

اما الخوف من من التوجهات الدينية المتشددة لجماعة الاخوان، ورغبتهم فى تغيير شكل الحياة الاجتماعية فى مصر، فبلا شك ان مرسي رئيسا، سيعطي فرصة افضل لتنفيذ بعض هذه الاطروحات، ولكن علينا الا نتناسي ان الاخوان والسلفيين بالفعل يمثلون اغلبية فى مجلسي الشعب والشوري المنوط بيه فى الاصل هيكلة هذه التوجهات، وسيعملون علي الدفع بها سواء كان مرسي رئيسا ام لا، وربما يكون مصدر املي الوحيد فى هذا الشان، نتائج المرحلة الاولي من الانتخابات، التي تؤكد بما لايدع مجال للشك ان اغلبية الشعب المصري غير راغبة في اجراء تغييرات جذرية، فيما يتعلق بحرية المعلومات والانترنت وقطاع السياحة و ربما ايضا صناعة الخمور وتدوالها والحريات الشخصية من المعتقد والملبس والفنون والاداب وغير ذلك، وان اي محاولات لتغيير ذلك ستواجه بضغط ورفض شعبي، لانها مكتسبات تاريخية ويصعب تغييرها، كما ان القوة الليبرالية المدنية والاقباط سيكونون فى موقع الاستنفار والمواجهة، نتيجة سيطرة الاخوان، مما يدفعهم ان يكونوا اكثر صرامة فى مواجهة مثل هذه المحاولات.

هذا عن الاختيار الاول، وساكتب رؤيتي عن الاختيار الثاني بكل مزاياه او عيوبه، علي امل ان فك طلاسم هذا الاختيار الظالم!

طارق علي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق