الخميس، 26 أبريل، 2012

سمي نفسك ما تشاء


فى انفاس متلاحقة، يجري خلف الكرة الشراب ليسجل هدف، فى ساحة رمسيس و يحتفل الجميع والاطفال تصرخ فى سعادة، وتنظر فردوس عبد الحميد الي الحريف، عادل امام و هو يحتضن ابنه فى لقطة من اجمل لقطات محمد خان، فى لقطة اخري يسقط عادل امام مدرجا فى دمائه فى المعتقل و بجواره القدير عبد المنعم مدبولي فى احنا بتوع الاتوبيس، ربما تضحك عليه وهو رجل الاعمال الفاشل مرجان احمد مرجان او تستخف به في دور خصوصي خط الصعيد فى احترس من الخط ولا تملك الا ان تحترمه وههو يتقمص دور بولس فى حسن ومرقص.

عادل امام تاريخه واعماله بصمة فى السينما المصرية، له المقدرة علي ان يدفعك للتعاطف معه حينما يريد، يضحكك حين تكون الضحكة صعبة، وربما يبكيك و انت تبتسم، قليلون يمتلكون هذه المقدرة، قليلون لديهم القدرة علي هذا التنوع والتلون والاقناع.

وهذا هو جوهر حرية الابداع، حرية الاختيار فى ان تشاهد و تتفاعل، تقتنع او لا تقتنع فهذا ليس شان المبدع ولا دوره، انه يعبر عما يراه وينفعل به، فيبذل الجهد و العرق هو وفريق الفيلم من الورق الي السيناريو الي فني الاضاءة والديكور والمخرج، اما انت، سمي نفسك ما تشاء، سلفي، اخوان، جماعة اسلامية او محامي باحث عن الشهرة، فتريد ان تجلس فى مقعدك الوثير وتشطب بجرة قلم ابداع فنان، لمجرد انك تعتقد انه فن تافه، لا يعجبك، فتريد ان تمنع الاخرين من ان يشاهدوه، ويعبروا عن رايهم بنفسهم، انت الوصي، الحكم والجلاد، ليس فقط علي المبدع والفنان، ولكن الاخطر والاهم، علي المتلقي، من جعلك وصيا علي؟ من اعطك الحق فى تمنع عني رؤية فنان؟ من اعطك الحق ان تمنعني من قراة كتاب؟ او مشاهدة فيلم؟

شيئ عجيب و مستفز ان تكون انت وصيا علي، تتصور انك قادر علي التمييز وباقي الناس لا!

تتصور انك مفسر للدين وتحطم بتفسيرك، اهم ما نادي به الدين و هو الحرية، كفاكم اكاذيب ان الابداع يجب ان يكون له ضوابط، تضعها انت ومن تؤمن انهم شيوخ، فرؤيتك ورؤيتهم يمكنك ان تعرضها علي الاخرين كما تشاء، لكن لا تتصور فى لحظة انك قادر علي منع الابداع، بقوانين وفق هواك، فالابداع في كل صوره سيظل حرا، شئت ام ابيت.

الخميس، 19 أبريل، 2012

لولا

"واحد برتقال من فضلك"

قالتها لولا بصوتها الناعم المميز الى الجرسون الواقف امامها، واكملت الجملة "بس اهم حاجة يكون فريش"

الجرسون: "فريش طبعا يافندم"

لولا: "وانتى هاتشربيى ايه يا شيمو؟"

ونظرت لولا الى صديقتها شيماء والتى يناديها جميع أصدقائها باسم الدلع شيمو والتى صاحت فى نفس هذه اللحظة "اوووه واوا"

الصرخة التى كما اتفقتا ان يسميها الصرخة الشيك.

و هى تعبير يتم عن الاعجاب الشديد ولفت النظر الى شى مميز وكوول، ومن مواصفاتها انه يجب ان لايرتفع صوتك اوى، ولا ان يكون منخفض، ويفضل ان لاتطيلى فى مخارج ال اوووه والتركيز علي الواو ويفضل ان تخرج الواو بحروف اجنبية معوجة بعض الشىء فى النطق.

و لفتت الصرخة الشيك اهتمام لولا عالفور، فنظرت الى شيمو باحثة عن تفسير، ولاحظت ايضا اهتمام الجرسون الشديد بمعرفة سبب هذه الصرخة.

شيماء: "شفتى سيرف التنس الهايل ده، بصى بصي"

و توجهت انظار "لولا" الى ملعب التنس بارضيته الحمراء المميزة، لتجد مباراة تنس تدور على أوجها بين شابين على قدر كبير من الوسامة.

لولا: "مش ده حسين صفوان اللى بيلعب؟ و هو بيلعب مع مين؟"

شيماء: "مش عارفه بس لعبه جنان وجسمه تحفة يا لولا، بصى فاتح التى شيرت ازاى"

و تنحنحت لولا بصوت عالى فى محاولة لكي تلفت انتباه شيماء على ان الجرسون ما زال واقفا ويستمع اليهما بانتباه.

و نظرت لولا لتجد الجرسون ينظر هو ايضا الى ملعب التنس متابعا حسين صفوان او الباشا زى مابيطلق عليه هو و زملأوه، فهو ياتى الي النادي، كل احد وثلاثاء ليلعب التنس في نفس الميعاد تقريبا، وقال الجرسون فى سره: "هو فى حد مايعرفش حسين صفوان، بصوته الجهورى وحركة يده المميزة وقلة ادبه المشهور بها، التى جعلت الجميع يكره خدمته، وكفايه انه مسؤل عن طرد عبير زميلتهم من النادى الاسبوع الماضي بعد ان اشتكى منها الى المدير بدون اى سبب او كما قال حسين باشا لأنها "بتعامله بتعالي".

و على ما يبدو ان شيماء لم تفهم معني "نحنحت" لولا لأنها استمرت فى الكلام.

شيماء: "ولابس لبس التنس صح الصح، الشورت الابيض والتى شيرت لبنى فاتح و جزمة بيضاء تحفة يا لولا. بس هو صحيح بيلعب مع مين؟ انا اول مرة اشوف اللى بيلعب معاه ده، زى ما يكون حد اجنبي."

و لم تجد لولا حلا لايقاف ثرثرة صديقتها شيماء غير ان تقول بصوت مرتفع وبه نبرة حادة "انت مقلتيش هاتشربى ايه شيمو؟"

تنبهت شيماء أخيرا الى وجود الجرسون، وظهر عليها الاضطراب للحظة لانها تحدثت فى وجوده، ونظرت اليه وابتسمت لانها وجدته وجها مألوفا لديها، قالت " هاى! ازيك يا احمد عامل ايه؟"

احمد الجرسون: " ازاى حضرتك يا مدام شيماء؟ بقالنا كتير ماشفناش حضرتك هنا فى ملعب التنس"

شيماء: "ليك حق انا فعلا باقعد دلوقتي اكتر عند الكافيه اللي على حمام السباحة"

احمد الجرسون: "تحبي تشربي ايه يافندم؟"

شيماء: "هاخذ كافيه لاتيه، بس يلا قوام"

احمد الجرسون: "تحت امرك حالا يا فندم"

انصرف احمد بهدوء ومازالت افكاره عن حسين باشا لا تنقطع كان يشعر بكراهية شديدة له، لانه تسبب فى قطع عيش عبير الا قطع العيش، الا قطع العيش، ردد احمد هذه الكلمات فى نفسه، والحقيقة ان الاصعب، انه لم يعد يرى عبير بشكل يومي كما تعود، وهي العلاقة التى كانت على وشك ان تتطور بينهما الى شىء ما، لا يعلم احمد ماهية حقيقة مشاعره تجاه عبير، فلقد تحدثا عن الحب والزواج والاطفال، وصعوبة الحياة والعمل، وخلال الأسابيع الماضية شعر بان علاقتهم تتطور الى مرحلة جديدة، الى ان قضي علي هذه الأحلام الباشا، بعنجهيته وسلطته، ورحلت عبير ولم يعد يراها او يختطف معها الكلمات المقتضبة والنظرات السريعة اثناء العمل، وازدادت كراهيته لحسين صفوان يوما بعد يوم.

توجه احمد الي كاونتر اعداد المشروبات الرخامي ووضع ورقة الاوردر فى مكانها المخصص وقال بصوت منخفض "واحد برتقال ولاتيه على طرابيزة عشرة يا مجدي، قوام وحياتك ........وبقولك صحيح، ما تعرفش مين اللى بيلعب مع الباشا؟"

و نظر زميله مجدى بلا مبالة من خلف اجهزة اعداد القهوة التى تخفي وجهه، الى ملعب التنس، نظرة سريعة، وعاد وهو يقول: "ده واد ملزق كدة، مركب حلق فى ودانه، اسمه داني، ماعرفش الاشكال دى بتجيى منين، ده بينه شاذ" وضحك مجدى ضحكة خافتة وعاد سريعا منهكما في اعداد الطلبات.

ولم يعلق احمد وردد كلمة مجدى في ذهنه "شاذ"، وسرح بناظره الى طرابيزة شيماء و لولا.

و لمعت فى راسه فكرة سريعة للانتقام من الباشا وسيطرت عليه هذه الفكرة، علي الرغم من انه قد يتعرض للرفد بسبها، الا انه لم يعد يفكر فى شىء الا ان ينفذها علي الفور.

و تناول احمد كاسا المشروبات و وضعهما علي الصينية بسرعة وانطلق الى الطرابيزة.

اقترب احمد بخفة ليكتشف لسعادته ان الحوار مازال يدور عن حسين صفوان.

لولا: "ده بيقلك حسين صفوان ده غنى موت هو صحيح ماكملش ال 35 سنة بس فلوس ايه و بيزنس ايه و عربيات ايه حاجة واو بجد"

شيماء: "و ما اتجوزش ليه كل الوقت ده؟"

لولا: "الكلام كتير بيقولوا مشغول، مركز فى البزنيس والفلوس، مش عارفة، بس هو عريس لقطة."

و شعر احمد ان القدر قد ارسله فى اللحظة المناسبة تماما، واقترب من الطرابيزة ولاحظته شيمو ولولا وتوقفتا عن الكلام.

ووضع احمد الاكواب بهدوء، وتوقف للحظة ثم قال: "على فكرة يافندم أنا عرفتلك حسين باشا بيلعب مع مين"

وبلع احمد ريقه واكمل: "ده شاب امريكانى اسمه داني وصاحب الباشا قوى قوى"

وقال الجملة الاخيرة بثقة وهدوء و نظر الى كل من لولا و شيمو ليرى انه قد اثار فضولهم تماما، فقد نظرتا اليه باهتمام.

و تشجع احمد ليكمل حديثه، وانخفض قليلا ليقترب من الطرابيزة وقال : "انا طبعا مش عارف اقولك الحكاية دى ازاى يا مدام شيماء اصل داني ده والعياذ بالله شاذ"

الق احمد كلمته وارتفع بقامته ونظر ليرى تاثير كلامه، وكله خوف انه ربما قد تخطى حدوده، و لكنه كان على يقين ان فضول السيدتان سيتغلب على كل شىء، ورأى علامات الذهول ترتسم على وجه لولا ووجد انه من الافضل ان ينسحب فورا.

و قال بسرعة: "عن إذنك يافندم"

وانصرف في خطى سريعة، وبانفاس متلاحقة، ليسمع لولا و هي تقول: "إيه اللي هو قاله ده؟ معقول ازاى يقول حاجة زى كدة؟"

و ردت شيماء: " انا اصلى اعرف احمد ده من زمان، يا بنتى الجرسونات دول عارفين اسرار النادى كلها وبيشوفوا حاجات وبيسمعوا حاجات، بلاوي، بس سيبك انتى، ده جاب التايهة، عرفتى بقى يا ستى حسين صفوان ما اتجوزش ليه للغاية دلوقتي ده شـــــــــــاذ! تصدقى يا لولا"

لولا: "ده الراجل قالك اللى بيلعب معاه شاذ قوام خليتى حسين صفوان شاذ هو كمان"

شيمو: "يا هبلة افهمي، الرسالة واضحة جدا صدقينى، حسين صفوان شاذ"

ترددت لولا للحظات و قالت: "تفتكرى ده السبب انه متجوزش لغاية دلوقتي؟"

شيمو: "طبعا! انا مش عارفة ازاى مافكرتش فى الحكاية دى هو فيه حد يبقاه معاه فلوس ويقعد لغاية السن دى من غير جواز!"

لولا: "بس ان كنت سمعت انه ليه علاقات نسائية مش فاكرة مها الاسواني؟"

شيمو: "وده يمنع؟ ده هو ده موضة الشذوذ اليومين دول يبقي بتاع كله بيحب الستات و الرجالة" وضحكت شيماء
و هى تكمل "و الدليل اهو شوفنه بعيننا النهاردة، اما حكاية."

و امسكت الموبايل و هى تقول: "رانيا هاتموت و تسمع الحكاية دى، ابعتى مسيجات يا لولا، الخبر ده ما يقعدش"

وفى زمن اصبح التواصل الاجتماعي بين الاف من البشر يتم فى لحظات وثوان قليلة من خلال اجهزة المحمول واللابتوب وموقع الفيس بوك والتويتر والبي بي ام، شبكة التواصل الخاصة باجهزة البلاكبيري، انتشر هذا الخبر، بغض النظر عن صحته من عدمها فى وقت قصير الي المئات من اصدقاء شيمو ولولا وكرره الاف اخرون ممن يعرفون حسين صفوان كانه الحقيقة الثابتة، وكان من العجيب انه بعد اربعة شهور على هذه الواقعة، فؤجيء احمد الجرسون وهو يكتب طلب قهوة مضبوط فى البوفية بمجدي وهو يقول له:

"انت مسمعتش اخر خبر؟"

احمد الجرسون: "لأ خير فيه ايه ؟"

و رد مجدى عالفور : "مش الباشا حسين صفوان طلع شاذ!"

نظر احمد فى ذهول غير مصطنع الي مجدي، متعجبا ان تكون كذبته التي اطلقها من شهور، تحولت الي حقيقة يرددها مجدي الان بكل ثقة.

وقال احمد مترددا: " بس انت متأكد؟ انت سمعت الكلام ده فين؟"

رد مجدى : "ده الخبر مالى النادى يا عم احمد، انت مش دريان ولا ايه، اتارى العيال اللى بيجيبها علشان يلعب معاها تنس طلع بيلعب معاها حاجات تانية كمان"

و ضحك مجدى بصوت مرتفع وعاد بانشغال الى عمل القهوة.

الشيخ احمد

الشيخ احمد
الله اكبر الله اكبر
اشهد أن لا اله إلا الله

انتفض الشيخ احمد مذعورا على صوت الإقامة يأتي قويا من ميكروفون المسجد، فالأول مرة يغفو في صلاة الفجر و لا يستيقظ في الميعاد المناسب لأداء الصلاة، جلس الشيخ احمد على طرف سريره يستمع بانتباه إلى صوت الإقامة، ياترى مين اللي بيقيم الصلاة مكاني؟
ده بينه صوت الواد حسين ابن الحاج اسماعيل ما هو طول عمره نفسه يستشيخ فيها و يؤم الناس، ما هو من ساعات ما ابوه راح الحج و هو فاكر نفسه باه بيفهم فى الدين والفتاوى.

حى على الصلاة
حى على الصلاة

استند الشيخ احمد على طرف السرير و قام و هو اكثر تركيزا مع صوت الاقامة ...لأ لأ ده بيانه الاستاذ انور استاذ التريبة الرياضية اللى ساكن اخر الشارع هو صوته ده كان لازم اعرف من الأول ما هو جالى كذا مرة و يقولى صوتى حلو ما تخلينى أذن مرة أكسب ثواب فى الناس.. وده صوت يكسب ثواب ده ده حتى محشرج و مغلق يدوبك ينفع يزعق بيه واحد اثنين لطلبة بتوعه.

حي على الفلاح
حي على الفلاح

والله الواحد احتار ده ممكن برضه يكون صوت الواد سيد الدمياطى . بس ده ماله ده و ماله الصلاة؟

تحرك الشيخ احمد بسرعة الى الحمام و هو يتمتم ياعنى كان لازم تروح على نومة ياعنى؟ امال فين الملايكة مصحتنيش ليه و لا دى خدمة صعبة الواحد يطلبها بعد سنين من الخدمة فى الدين و الجامع؟

بدء الشيخ احمد الوضوء فى عجالة و انطلق الى الجامع مسرعا مرتديا ما يرتديه يوميا فى ذهابه الى الجامع جلبابه التقليدي الأبيض و العمامة الحمراء التي كان يعتز بها الشيخ احمد كثيرا فالعمامة هى التى تعطى الفارق الحقيقي بين الرجل العادي و رجل الدين مثله فهي العمامة التي يفخر بها و تشعره بأنه ذو سلطة و يسعد كثيرا بنظرات الجميع إليه بانبهار و احترام و اجلال و في خوف أحيانا
و ربما كانت تعوض أيضا عقدة النقص التي لديه فالشيخ احمد ليس شيخا بالمعنى المفهوم فهو ليس أزهريا و لم يدرس الدين بشكل واضح بصورة أكاديمية في اى فترة من فترات حياته. فالشيخ احمد خريج كلية الزراعة جامعة القاهرة و قد دفعه أبوه الحاج سامي إلى دراسة الزراعة على أمل إن يجد له وظيفة في وزارة الزراعة حيث كان يعمل طوال عمره كمشرف على مزارع الوزارة.

و لكن احمد اثبت فشله الذريع في كلية الزراعة حيث استمر لأكثر من ثمان سنوات بدون أمل في أن يجتاز البكالوريوس كما تمنى أبوه الحاج سامي و تنقل احمد في عدد من الوظائف إلى أن توفى والده منذ ثلاث سنوات.
و كانت وفاة والده هي بداية طريقه إلى أن يصبح الشيخ احمد، حيث كان والده يؤم المصلين في مسجد اهلى أسفل عمارة على ناصية الحارة. و كان أبوه الحاج سامي رجل فاضل و محبوب بين اهالى الحارة و ربما كان هذا السبب انه لم يعترض احد على إمامة الشيخ أحمد لهم فى الصلاة مكان والده.
فهو موجود في المسجد باستمرار وصوته معقول و حافظ قران كويس، كلها كانت أسباب كافية لان يستمر و يتحول خلال عام من احمد ابن الحاج سامي، طالب الزراعة الفاشل إلى الشيخ احمد إمام المسجد،الذي يتحدث معه الجميع بإجلال و إكبار عظيم احتراما لقدسية وظيفته.

و للحق فقد انتظم الشيخ احمد فى اداء وظيفته الجديدة بكل اخلاص حيث اصبح المسجد هو كل حياته، يذهب بانتظام الى كل صلاة، حتى صلاة الجمعة اصبح يخطب فيها باستمرار، و لم يعد احمد يبحث عن وظيفة فقد اصبح المسجد وظيفته، يعيش علي ما يجود به اهل الخير من حين الي اخر، ووجد انها كافية لكي يعيش من خلالها حياة معقولة ولم يرغب فى اكثر من ذلك ولعل اهم ما حدث له هو نظرة الناس اليه، فهم يقصدونه لفتاوي متنوعة فى حياتهم الخاصة يستشيرونه و يثقون بما يقوله لهم، إحساس لا يقاوم ان تشعر ان الناس بحاجة إليك، و يستمعون الى آرائك بثقة و اهتمام و لم يجد احمد صعوبة فى ان يفتي الناس و يجيب علي أسئلتهم، فهى متكررة فى معظم الأحوال، و بشراء مجموعة من الكتب الدينية كانت كافية ان يشعر بالثقة فى مايقوله الى كل سائل و ازدادت ثقته بنفسه يوما بعد يوم، لقد اصبح احمد يشعر بكل ثقة انه فعلا الشيخ احمد. و لما لا؟ فالدين ليس حكرا علي دارسي الازهر و الأوقاف، الدين لمن يعطي له وقته و حياته.

و دخل الشيخ احمد إلى المسجد، و هو فى عجالة شديدة، و فضول شديد ان يعرف من أم الناس مكانه؟
و كالعادة فى صلاة الفجر لا يزيد العدد عن خمسة او ستة مصلون و قد اصطفوا بالفعل خلف الإمام المجهول، وركز الشيخ احمد فى ظهر الإمام على أمل أن يتعرف عليه، دون جدوى، انه شخص طويل القامة،
و تردد الشيخ احمد ثم ... وقف في الصف.. لأول مرة... يصلى خلف إمام .. كواحد من المصلين..
الله اكبر
و قد تخيل الشيخ احمد انه سيستطيع أن يتعرف على الإمام من صوته...و لكنه فوجئ بأنه صوت يسمعه لأول مرة...
و شعر الشيخ احمد بالغضب... كيف يقف هو بجلبابه الأبيض.. و عمامته الحمراء رمز الشياخة و الأصالة و الدين ليصلي خلف شخص لا يعرفه.؟ لا يعرف مدي فقه وورعه؟
شعر الشيخ احمد بالغضب و الإهانة أن يقف بنفسه.. هكذا فى الصف مع باقي المصلين...
ياترى بيقلوا إيه دلوقتى علي؟ راحت علي نومة؟ نسيت ميعاد الصلاة مثلا...
ده كلام ده...
ادى أخرتها فعلا... بعد سنين.. من الخدمة ... يحصلي كدة...
طب يستنوني.. يحصل ايه لو استنونى..
مفروض كان حاجة تحصل.. بس كدة لأ لأ

و لم يركز الشيخ أحمد في الصلاة... كان ذهنه.. مشغول و شارد... و كل فكره منصب علي شعوره الشديد بالإهانة..لأنه يصلي بين الناس...
و ركع الشيخ احمد الركعة الأولي...وفي هذا الجو الروحاني.. لصلاة الفجر ظن الشيخ احمد انه ربما يهدئ.. يزول عنه بعض الغضب..
الله اكبر
وقف الشيخ احمد مجددا لأداء الركعة الثانية.. وهو لا يزال في غضبه كما هو...
و فى لحظة.. سلم الشيخ احمد و هو واقف..من علي اليمين و اليسار...
لينهى صلاته.. قبل ان تنتهى الصلاة..
و ينسحب من جانب المصلين... ليخرج من المسجد...
و شعر بهواء بارد...على وجه..
و تردد للحظات قبل أن يضع يده على رأسه ليخلع عمامته... و يلقي بها بعيدا في ظلام الحارة..

الثلاثاء، 3 أبريل، 2012

ابوالفتوح وعبد الناصر لا وجه للمقارنة

ابوالفتوح وعبد الناصر لا وجه للمقارنة

تعليقا علي مدونة احمد زكي

علي الرغم من ان احمد زكي يصر فى قوله " من قرأوا ما كتبت انشغلوا بمحاولة استنطاقي إذا كان ذلك مدحاً أم ذماً، وهو في الحقيقة لا ذاك ولا ذاك أيضا" فهو بذلك يبدو كمن يمسك العصا من المنتصف وانه يحاول ان يقدم رؤية سياسية تحليلية فى المقارنة بين د. عبد المنعم ابو الفتوح والرئيس عبد الناصر، الا ان عنوان المدونة يفضح هذا المنتصف الزائف، فلا اري ان يكون التحليل السياسي المجرد يهدف الي وصف ابو الفتوح بانه " تكرار غير مبتكر" فهذا فى حد ذاته هو نتيجة نهائية و حكم قبل بدء المدونة، ربما تشي بفحوي المدونة.

ودعنا من المقدمة التاريخية التي لا اري انها اضافت من قريب او بعيد الي صلب الموضوع حيث عجزت عن اثبات نقاط التشابه في الظروف التاريخية بين زمن عبد الناصر واليوم، فعلي الرغم من اختياره مواقف تاريخية بدقة، محاولا بشتي الطرق البحث لاهثا عن نقاط او احداث يمكن من خلالها رسم خطوط متوازية، توحي للقارئ بان هناك اوجه للشبه فى الظروف او الاحداث او المواقف، ففي راي انها لم تحقق هذا الربط، بل علي العكس فانها ساعدت علي اثبات وبقوة انه لا علاقة او وجه شبه علي الاطلاق بين عبد الناصر او ابوالفتوح، (اداء او فكرا).

ونصل الي محصلة المدونة فى جزئها الاخير والذي يتناول ما يبدو انه محصلة القراة التاريخية السابقة، وهي نقاط الالتقاء بين عبدالناصر و ابو الفتوح، ونقطة الالتقاء الأولى من وجهة نظر احمد زكي ان ناصر وأبو الفتوح يلتقيان في نقطة الانتماء السابق لجماعة الاخوان، من المضحك فعلا محاولة الربط بين عبد الناصر وابوالفتوح، فى انتمائهم الي الجماعة، فلا الفترة الزمنية التي انتمي كل منهم الي جماعة الاخوان تسمح بالمقارنة، ولا التضحيات التي قدمها ابوالفتوح فى ائنتمائه للاخوان، ولا الدور الفاعل له فى محاولات تغير الجماعة فكريا، يمكن مقارنتها بمرور الكرام الذي مر به عبد الناصر بجماعة الاخوان، فلا يمكن وصف التجربتان بانها "تترك اثارا عميقة"، فابوالفتوح هو جزء من تاريخ الاخوان، والرجل لا ينكر ذلك بلا يقدم برنامجه بوضوح بناء علي رؤية نابعة من كونه ينتمي الي ما يؤمن انه فكر الاخوان الحقيقي، فلا يمكن و لايجوز ان نقارن انبهار عبد الناصر ببعض ما يقدمه الاخوان، والمغازلة السياسية لهم فى مرحلة ما، ووصف ذلك بان الفكرة الاسلامية كانت حاضرة لديه!



ولا ادري ما موقع الحرج ولا نتائجه، ان وصل ابوالفتوح الي الرئاسة؟ فقد القي احمد زكي الكلمة دون توضيح عن طبيعة هذا الصراع ومدي اهميته فى المقارنة و متناسيا الوضع الحالي للجماعة الاخوان كونهم فى النور و لهم شكل سياسي يختلف تماما عن فترة عبد الناصر مما يؤكد صعوبة حدوث " هذ الصراع" و علي الرغم من الاختلافات الايدوليجية الي درجة ما بين ابو الفتوح والاخوان، فانه فى حالة فوزه، فمحاولة التوافق تبدو وصفا اكثر منطقية بين شخص انتمي الي جماعة لاكثر من ٣٠ سنة.

اما نقطة الالتقاء الثانية وهي من وجهة نظره ان الرجلان يلتقيان "في السير وراء الجماهير" ولم يجد احمد زكي اية امثلة علي "السير وراء الجماهير" في ابوالفتوح سوي انه قدم رؤية جديدة فى برنامجه، لم يجرؤ كثيرون في التطرق اليها، وهي تنويع مصادر السلاح خارج المنظومة الاميركية، ولا اري الجماهير تخرج مطالبة بتنويع مصادر السلاح حتي يمكن تصنيف هذا الوعد بانه هرولة جماهيرية كالتي اعتاد عليها عبد الناصر، وكالعادة اجد الربط و محاولة خلق اوجه للشبه بين عبد الناصر وابو الفتوح، لا تستند علي اوجه شبه حقيقية من قريب او بعيد.

ام نقطة الشبه الثالثة وهي ان كلاهما له تفويض عابر للانتماءات السياسية، فاني اتفق معه ان ابو الفتوح بالفعل يمتلك قدرة علي التواصل مع اطياف الانتماءات المختلفة ولكن وصف ان عبد الناصر يمتلك هذه القدرة، فهي اكذوبة تاريخية وسياسية يشهد عليها معتقلات عبد الناصر وسجونه، واجهزة مخابراته، وحصوله علي تفويض شعبي نتاج عن عمليات غسيل مخ اعلامي تعبوي وتبني شعارات اقليمية رنانة، لكن لا وجه للمقارنة بين هذا والتفاف قوي سياسية مختلفة حول ابو الفتوح، ايمانا بما يقدمه من رؤية وقمشاركة فعالة فى تشكيل هذه الرؤية من منظور وطني واسع لا يقتصر علي رؤية ايدولوجية.

اما نقطة الالتقاء الرابعة وهي طهارة اليد وسلامة القصد، فتؤكد عدم القدرة علي ادراك الاختلاف الحقيقي بين عبد الناصر و ابوالفتوح، فعبد الناصر لو اجمعنا علي طهارة اليد، فان سلامة المقصد، ارتبطت بتعيين ذوي الثقة، دون الكفاة، فى جميع مناصب الدولة مما ادي الي فساد واسع و كوراث فى عدة مستويات، فالرغبة فى خدمة الوطن ارتبطت بمركزية القرار والسمع والطاعة! والانصياع الي رؤية الزعيم الملهم وهذا ما ادي الاخطاء السياسية المتكررة فى عهد عبد الناصر، محاولة مقارنة ذلك بابوالفتوح الذي يتصف بالفعل بطهارة اليد وسلامة مقصده مرتبطة برؤية سياسية مختلفة تماما، وبرنامج متكامل مبني علي تكامل الخبرات و الاستعانة باصحاب الكفائة، و ان ذلك سيؤدي بالفعل الي نتائج مختلفة بالتاكيد!

مما سبق يتضح ان محاولة ايجاد اوجه شبه بين عبد الناصر وابو الفتوح، هو بالفعل ضرباً من ضروب مسرح العبث، حيث ان احمد زكي لم يكتفي بمحاولة ايجاد نقط التقاء، ولكنه المح الي ان نتيجة اوجه الشبه هذه، فانه يمكن ان نتوقع نتائج مشابه لعهد عبد الناصر و ذلك فى قوله " تشي بما سيكون عليه أبو الفتوح إن وصل للرئاسة" و عنوان المقالة "تكرار غير مبتكر"، والحقيقة ان العيش فى الماضي دائما يدفعك الي مثل هذه التحليلات العبثية، وعلي الرغم من انكار احمد زكي ان مقاله ذما في ابوالفتوح، علي الرغم من انتماءات احمد الفكرية، فانني امتلك الشجاعة الادبية ان اعترف بصراحة ووضح انه هذة المقالة، هي دفاعا عن ابو الفتوح، فعلي الرغم من اختلافي الفكري مع د.عبد المنعم ابو الفتوح، الا اني اؤمن انه افضل من يقود مصر فى المرحلة القادمة، وبلا شك افضل من عبد الناصر.

طارق علي
ابريل ٢٠١٢